السيد عبد الله شبر
292
مصابيح الأنوار في حل مشكلات الأخبار
قوله تعالى : « خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ » « 1 » ، فمتى كلّفه لم يظهر منه إلّاالعصيان الذي هو سبب للعقاب ، فكان ذلك التكليف مستعقباً لاستحقاق العذاب ، إمّا لأنّه تمام العلّة ، أو لأنّه شطرها ، فوجب أن يكون ذلك التكليف قبيحاً ، لكونه مستعقباً للضرر الخالي عن النفع ، والحكيم لا يفعل القبيح ، فوجب أحد الأمرين ، إمّا عدم التكليف أو عدم العقاب ، وعلى أيّهما فالمطلوب حاصل . الرابع : أنّه سبحانه إنّما كلّفنا لنفع يعود إلينا ، لأنّه تعالى قال : « إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَها » « 2 » ، فإذا عصينا فقد فوّتنا على أنفسنا تلك المنافع ، فهل يحسن في العقول أن يأخذ الحكيم إنساناً ويقول : إنّي اعذّبك العذاب الشديد لأنّك فوّتَّ على نفسك بعض المنافع ؟ فإنّه يقول له : إنّ تحصيل النفع مرجوح بالنسبة إلى دفع الضرر ، فهب أنّي فوّتُّ على نفسي أدون المطلوبين ، فأنت تفوّتُ عليّ لأجل ذلك أعظمهما . أو هل يحسن من السيّد أن يأخذ عبده ويقول إنّك قدرت على أن تكسب ديناراً لنفسك لتنتفع به خاصّة من غير أن يكون لي فيه شيء البتّة ، فلمّا لم تفعل فأنا اعذّبك واقطّع أعضاءك إرباً إرباً ؟ لا شكّ أنّ هذه نهاية السفاهة فكيف يليق بأحكم الحاكمين ؟ ثمّ قالوا : هب أنّا سلّمنا هذا العقاب ، فمن يقول بالدوام ؟ وذلك لأنّ أقسى الناس قلباً ، وأشدّهم غلظةً وبُعداً عن الخير والرحمة إذا أخذ من بالغ في الإساءة إليه عذّبه يوماً أو شهراً أو سنةً ، ثمّ إنّه يشبع منه ويملُّ ، ولو بقي مواظباً عليه يلومه كلّ أحد ، ويقال : هب أنّه بالغ في الإساءة والإضرار بك ولكن إلى متى هذا التعذيب ؟ فإمّا أن تقتله وتريحه ، وإمّا أن تخلّصه . فإذا قبح هذا من الإنسان الذي يلتذُّ بالانتقام ، فالغنيّ عن الكلّ كيف يلصق به
--> ( 1 ) . البقرة ( 2 ) : 7 . ( 2 ) . الإسراء ( 17 ) : 7 .